تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

120

محاضرات في أصول الفقه ( موسوعة الإمام الخوئي )

1 - لما عرفت من أنّ قصد المعنى على أنحائها من مقوّمات الاستعمال فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه . 2 - هذا مضافاً إلى ضرورة صحّة الحمل والاسناد في الجمل بلا تصرف في ألفاظ الأطراف ، مع أنّه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صحّ بدونه ، بداهة أنّ المحمول على زيد في ( زيد قائم ) والمسند إليه في ( ضرب زيد ) مثلاً هو نفس القيام والضرب ، لا بما هما مرادان . 3 - مع أنّه يلزم كون وضع عامّة الألفاظ عاماً ، والموضوع له خاصاً ، لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له اللفظ ، فانّه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الإرادة فيه كما لا يخفى ، وهكذا الحال في طرف الموضوع ( 1 ) ، انتهى . والجواب عن جميع هذه الوجوه : بكلمة واحدة ، وهي أنّ تلك الوجوه بأجمعها مبتنية على أخذ الإرادة التفهيمية في المعاني الموضوع لها ، وقد تقدّم أنّ الإرادة لم تؤخذ فيها ، وأنّ الانحصار المذكور غير مبتن على ذلك ، بل هي مأخوذة في العلقة الوضعية ، فالعلقة مختصّة بصورة خاصة وهي ما إذا أراد المتكلم تفهيم المعنى باللفظ ( 2 ) .

--> ( 1 ) كفاية الأُصول : 16 . ( 2 ) وأورد بعض الأعاظم ( قدس سره ) على ما قرّره بعض مقرري بحثه على انحصار الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية ايراداً رابعاً وملخصه : هو أنّ الانحصار يستلزم أن يكون اللفظ موضوعاً لمعنى مركب من معنى اسمي ومعنى حرفي ، كما إذا قيّد المعنى الاسمي بإرادة المتكلم على كيفية دخول التقيد وخروج القيد ، وهذا مخالف لطريقة الوضع المستفادة من الاستقراء ، فانّه بحسبه لم يوجد في أيّة لغة لفظ واحد موضوع لمعنى مركب من معنى اسمي وحرفي هذا ( 1 ) . [ ( 1 ) بدائع الأفكار : 1 : 92 . ] ويردّه أوّلاً : أنّ الاختلاف بين المعنى الحرفي والاسمي كما عرفت اختلاف بالذات والحقيقة لا باللحاظ الآلي والاستقلالي ، فالمعنى الحرفي حرفي وإن لوحظ استقلالاً ، والمعنى الاسمي اسمي وإن لوحظ آلياً ، وقد اعترف هو ( قدس سره ) أيضاً بذلك ، وعليه فالإرادة معنى اسمي وإن لوحظت آلة ، ولا تنقلب بذلك عن المعنى الاسمي إلى المعنى الحرفي حتّى يلزم وضع اللفظ لمعنى مركب من معنى اسمي وحرفي . على أنّك قد عرفت أنّ المعنى الحرفي كالمعنى الاسمي ملحوظ استقلالاً لا آلياً ، فلا وجه حينئذ لتخصيص الايراد بصورة أخذ الإرادة قيداً لا جزءاً ، إلاّ أن يكون مراده من المعنى الحرفي نفس التقيد بالإرادة لا نفس الإرادة ، فانّه معنى حرفي . ولكنّه مدفوع أوّلاً : بالنقض بوضع الألفاظ للمعاني المركبة أو المقيدة ، فانّ معانيها متضمنة للمعنى الحرفي لا محالة ، إذ كل جزء مقيد بجزء آخر فالتقيد معنى حرفي . وثانياً : أنّه لا مانع من وضع لفظ لمعنى مركب من معنى اسمي وحرفي إذا دعت الحاجة إليه ، فإذا فرض أنّ الغرض تعلّق بوضع الألفاظ للمعاني المقيّدة بإرادة المتكلم فلا مانع من وضع الألفاظ لها كذلك ، إذ الوضع فعل اختياري للواضع فله أن يقيد المعنى الموضوع له بقيود ما ولا محذور فيه ، والاستقراء المدعى في كلامه ( قدس سره ) لو تمّ فلا يدل على استحالة ذلك الوضع . على أنّ ذلك لو تمّ فانّما يتم إذا كان الواضع من أهل كل لغة واحداً أو جماعة معينين ليثبت له الطريقة الخاصة في الوضع التي فرض عدم جواز التخلف عنها ، إلاّ أنّه فرض في فرض . وثانياً : أنّه لا أساس لذلك الايراد أصلاً ، فانّه مبتن على أخذ الإرادة في المعنى الموضوع له ، وأمّا إذا لم تؤخذ فيه أبداً ، بل كانت مأخوذة في العلقة الوضعية فلا مجال لذلك الايراد . ( 1 ) وأورد بعض الأعاظم ( قدس سره ) على ما في تقريرات بعض تلاميذه على ذلك بما ملخّصه هو : أنّ اللفظ لا يدل بالدلالة الوضعية على أنّ المتكلم أراد المعنى في الواقع ، لأنّ تحصيله بالوضع لا يمكن فالذي يمكن تحصيله بالوضع هو الدلالة التصورية ، ضرورة أنّ السامع شاك في أنّ المتكلم يريد هذا المعنى واقعاً فيفتقر السامع في إحراز أنّ المتكلم أراد هذا المعنى في الواقع إلى دلالة أُخرى كأصالة الظهور والحقيقة ، فلا يكون الوضع وحده كافياً لاثبات ذلك ، ومعه فالوضع لذلك يصبح لغواً وعبثاً ، فلا يكون هذا غرضاً للواضع من الوضع ، بل الغرض منه تهية مقدمة من مقدمات الإفادة ( 1 ) . [ ( 1 ) بدائع الأفكار 1 : 93 . ] أقول : لا شبهة في أنّ الغرض الداعي إلى الوضع الباعث للواضع الحكيم عليه إنّما هو إبراز المقاصد والمرادات النفسانية ، فلولا الجعل والمواضعة والتعهد بذكر الألفاظ عند إرادة تفهيم المعاني لم يمكن إبرازها ، بل اختلت أنظمة الحياة كلّها ، فلذلك يصبح الوضع ضرورياً ، ولولا ذلك لما احتجنا إلى الوضع أبداً ، فالتشكيك فيه تشكيك في البداهة . وعلى ذلك فلا يشك أيضاً أحد في أنّ اللفظ الصادر من المتكلم يدل على أنّه أراد تفهيم معناه بمقتضى قانون الوضع ، فهذه الدلالة لا تتوقف على ما عدا إحراز كون المتكلم في مقام التفهيم ، وهي موجودة حتّى فيما إذا علم المخاطب كذب المتكلم في كلامه إذا لم ينصب قرينة متصلة على أنّه ليس في مقام التفهيم . ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره ( قدس سره ) من الايراد مبني على الخلط بين الإرادة التفهيمية والإرادة الجدية ، فانّ الثانية يحتاج إثباتها في الواقع ومقام الثبوت إلى مقدمة أُخرى وهي التمسك بأصالة الظهور أو الحقيقة دون الأُولى . وعلى الجملة : فاللفظ بمقتضى قانون الوضع والتعهد يدل على إرادة المتكلم تفهيم معناه سواء كانت هذه الإرادة متصادقة مع الإرادة الجدية في مقام الثبوت والواقع أم كانت على خلافها .